إلغاء الحقوق في عُمان: ثمن التظاهر السلمي – ميلاني جنجل

    0

     ميلاني جنجل – محامية بريطانية وناشطة حقوق إنسان وعضو المجلس الاستشاري لمركز الخليج لحقوق الإنسان.

    ديسمبر – 2017

    لاجئون عمانيون في بريطانيا كانوا قد فروا من الاضطهاد السياسي في وطنهم يجدون أنفسهم الآن مجردين فعليا من جنسيتهم وعديمي الجنسية عمليا. ووفقا لتعريف القانون الضيّق، فإن الشخص عديم الجنسية شخص لا يُعتبر مواطنا من قبل أي دولة بموجب قانونها، أو بعبارة أخرى، غير مواطن في أي مكان. إن إلغاء الجنسية على الطراز العماني سلاح سياسي، كما أنه يعمل بوصفه وسيلةً لمعاقبة المعارضة، وإنذاراً لشخصيات المعارضة السلمية الأخرى بأنهم أيضا قد يواجهون مثل هذه العقوبة.

    يُنظر إلى انعدام الجنسية بشكل عام كحالة تؤدي إلى الحرمان والضعف، وتنشأ بسبب استبعاد مؤسسات الدولة وهياكلها عديمي الجنسية. وكثيرا ما يُترك عديمو الجنسية دون إقامة قانونية أو حماية قنصلية أو حق العودة إلى بلدهم الأصلي. ويؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص الحق في التمتع بجنسية، كما أنه لا يجوز حرمان أي شخص جنسيته تعسفاً.

    هناك العديد في منطقة الخليج العربي ممن انتهك حقهم في هذا الجانب. على الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة فإن المستهدفين في هذا الصدد عديدون، ويشمل ذلك: المعارضين السياسيين في الكويت والبحرين، الأطفال المولودين في عُمان لأب غير عماني، عديمي الهوية في من الفلسطينيين الذين يعيشون في الأردن، والأكراد الفيليين في العراق.

    معظم هؤلاء الناس يعيشون في بلدان يعانون فيها من حرمان الهوية، بلدان عاشوا فيها طوال حياتهم، وتربطهم بها علاقات نفسية واجتماعية وعاطفية وطيدة. لذلك، فإن حرمان الجنسية من أشد العقوبات التي قد تدفع عديم الجنسية إما إلى العيش في المهجر، وإما إلى الجحيم في الداخل فيما يتعلق بشخص يفقد الحق في أن تكون له حقوق!

    إن الإلغاء التعسفي للمواطنة ينتهك حقا أساسيا، وأيضا يُمثل تحديا أساسيا للنظام الدولي لحقوق الإنسان، ذلك أن الدولة تتحمل المسؤولية الرئيسية لــضمان الحقوق الفردية واحترامها والطعن فيها، عند الضرورة ، في المحاكم المحلية. وفي ما يخص الشخص عديم الجنسية، فإن الهيئة الوسيطة التي من المفترض، في المقام الأول، أن تقدم حقوقا ملموسة وقابلة للمقاضاة، غير موجودة في الحسبان، لذلك من الواضح أن انعدام الجنسية وعواقبه معقدة، ولا يمكن معالجته بمعزل عن التنمية الدولية، والعلوم السياسية، وحقوق الطفل، واقتصاديات الهجرة القسرية، وغيرها من التخصصات ذات الصلة، فضلا عن قانون حقوق الإنسان.

    وفي الحالة العمانية فإن العديد من الذين شاركوا في تنظيم احتجاجات مؤيدة للديمقراطية في عام 2011 وصاعداً، تعرضوا لسلسلة من الاحتجاز والمراقبة، وكذلك أيضا إلى تجريدهم من الجنسية لاحقاً، فقد أصبحوا أشخاصا ليس لديهم شخصية اعتبارية تعترف بها الدولة: ليس لديهم الحق في السفر، ولا يمكنهم العمل، وغير مؤهلين للحصول على منافع، ودُمِّرت سمعتهم من خلال نشر صورهم في وسائل الإعلام الحكومية، عبر حملات إعلامية منسقة. وقد أدت هذه الأنواع من الحرمان الاجتماعي والثقافي والسياسي المنتظم، إلى شكل من أشكال الموت الاجتماعي. ولا يسمح لهم بإقامة حياة لأنفسهم داخل الدولة، ولا يسمح لهم بمغادرتها!

    بعض المتضررين من هذا الاضطهاد السياسي تمكنوا لاحقا، وبوسائل مختلفة، من الفرار والتماس اللجوء في بريطانيا. وقد اضطر هؤلاء إلى مغادرة البلد نتيجة لتداعيات ممارسة حقوقهم في حرية التعبير والتجمع، وهي الحقوق المقيّدة بشدة في عمان.

    القانون في عمان يوفّر سقفاً محدوداً لحرية التعبير والصحافة، ولكن السلطات دائما لا تحترم حتى هذه الحقوق. كما أن التجمعات العامة تحتاج إلى موافقة رسمية مسبقة، حيث تعتقل السلطات المشاركين في أي تجمع غير موافق عليه وتقاضيهم. كما أن بعض التجمعات الخاصة محظور بموجب المادة 137 من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة كل من يشارك في تجمع خاص يضم ما لا يقل عن 10 أفراد بهدف ارتكاب أعمال شغب أو خرق النظام العام، بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات وبغرامة.

    تقرير عام 2014 الصادر عن مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي، أعرب عن قلقه إزاء محاولات الحكومة الحد من حقوق التجمع السلمي وتكوين الجمعيات. وذكر التقرير أن “الأفراد الذين يسعون إلى الإصلاح يخشون التعبير عن آرائهم أو التحدث على الهاتف، ويخافون من اللقاء والاجتماع”. في عام 2016، أغلقت السلطات صحيفة “الزمن” المستقلة، وسجنت رئيس تحريرها ومدير التحرير وصحفياً آخر، بسبب نشر الصحيفة تقريراً يتحدث عن فساد في مؤسسة القضاء.

    منذ عام 2011، اضطر عدد متزايد من الكتاب والناشطين إلى الفرار من البلد بسبب الاعتقالات التعسفية، وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، والمراقبة المشددة، والاستبعاد الاجتماعي الممنهج. ذكر أحد الناشطين كيف أُلغي حقه في الجنسية العمانية بعد حصوله على لجوء في المملكة المتحدة، وذلك نتيجة لإجراء تحقيق روتيني للسلطات فيما يتعلق بأحد أفراد الأسرة. آخرون، مثل هلال البوسعيدي، يتعرضون الآن لــحظر السفر. كما خضع سابقا الناشط محمد الفزاري لحظر السفر، ولكنه استخدم وثائق مزيفة للهروب وطلب اللجوء في بريطانيا.

    يبعث هذا التطور قلقاً عميقاً، كما يشكل خطوة متراجعة في سجل عمان في مجال حقوق الإنسان. والأمر نفسه يترتب كذلك على ممارسة دول خليجية أخرى، والبحرين على وجه الخصوص، حيث تُلغى الجنسية بشكل روتيني عقاباً ووسيلة لإسكات المعارضة. وكان هذا الإجراء قد استعمل أول مرة في البحرين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، عندما ألغى وزير الداخلية جنسية 31 ناشطا معارضا ونائبا سابقا وأعضاء في المجتمع المدني، حيث أصبح العديد منهم عديمي الجنسية، وخضع عشرة منهم لأوامر ترحيل. وبحلول شباط/ فبراير 2016، جُرِّد 260 شخصا من جنسيتهم، وأصبح معظمهم عديمي الجنسية. ولا يمكن الآن توظيفهم قانونيا أو تسجيلهم في المستشفيات، ولا يمكنهم تجديد معلوماتهم المصرفية، وقد يتعرضون لخطر فقدان المساكن التي توفرها الحكومة.

    مثال سابق على عدم شرعية أي نشاط معارض حدث في الإمارات العربية المتحدة، عام 2011، حين سحبت الحكومة الجنسية من سبعة ناشطين إماراتيين بعد اتهامهم بتهديد أمن الدولة من خلال أنشطتهم -وهي جريمة تندرج ضمن قانون المواطنة في الإمارات- ولأن دولة الإمارات تحظر ازدواج الجنسية، فإن ذلك يجعلهم جميعا بلا جنسية. وبحلول عام 2016 فقد 200 مواطن إماراتي جنسياتهم، في حين إن الأسرة الحاكمة في الكويت حرمت 120 شخصا جنسياتهم بين عامي 2014 و2016، وفقا لمنظمة الكويت للحقوق. وفي عداد الضحايا أكاديميون ومحامون واقتصاديون وحتى نواب سابقون.

    وفي عمان، هناك أيضا مشكلة تتعلق بانعدام الجنسية نتيجة للتمييز ضد المرأة في قوانين الجنسية. وعلى غرار الدول الأخرى في منطقة الخليج، أدت الوصاية الأبوية المتبعة في المجتمع، وبالتالي في النظام القانوني، إلى حرمان المرأة في كثير من الحالات حقها في منح المواطنة لأطفالها بشكل مستقل. ومع أن المادة 18 من قانون الجنسية العمانية تسمح للمرأة العمانية بإحالة جنسيتها إلى أبنائها من الزواج من أجنبي، إلا أن ذلك لا يمكن إلا حين تصبح أرملة أو مطلقة أو عندما يكون زوجها غائبا أو تخلى عنها مدة عشر سنوات متتالية على الأقل. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون زواجهما قد حصل على موافقة وزارة الداخلية قبل حدوثه، وأن يكون لها حضانة الطفل. وعلى النقيض من ذلك، يمكن للرجل العماني نقل الجنسية العمانية إلى أطفاله تلقائيا، بغض النظر عما إذا كان متزوجا من امرأة عمانية أو غير عمانية. وقد يجد الأطفال المولودون لأم عمانية وأب أجنبي أنفسهم عديمي الجنسية ويجبرون على مغادرة بلد ميلادهم عند بلوغهم سن الثامنة عشرة.

    ومن المهم تحديد المشاكل الجادة في عمان، والتي غالبا ما تُخفى تحت ظل التصور الشائع بأن عمان مملكة صحراء سعيدة، حيث كل شيء سلام ونور. يصف جون بيسانت في كتابه “عمان: دراما الحياة الحقيقية ومكيدة دولة عربية” عمان بأنها الدولة العربية البوليسية الأكثر سحرا في العالم، ولعل جميع الانتهاكات المذكورة سابقًا تذهب، بطريقة أو بأخرى، إلى تبرير هذه العبارة.

    ويظهر إلغاء الجنسية في البحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت كيف أن “الجنسية” أو “المواطنة” تستخدم سلاحاً ووسيلة لإسكات أصوات المعارضة السلمية، وإقصاء الخطاب الإصلاحي في الخليج. وإنه لمن المقلق جدا أن تحذو عمان حذوها.

     

     

    ملاحظة: للعودة إلى المصادر التي اعتمدتها الكاتبة، الرجاء الاستعانة بالنسخة الإنجليزية للمقال.

     

     

     

    شارك: