يجب احترام حقوق عاملات المنازل المعتمد عليهن في عُمان – روثنا بيغم

    0

    روثنا بيغم، باحثة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق المرأة

    – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

    “إذا أردتِ العودة [لبلدك]، فعليكِ سداد النقود التي أنفقتها لأجلبك هنا”.

    كنت جالسة مع “عطية ز.” (ليس اسمها الحقيقي) تحت شرفة، في الظل نحتمي من الشمس الحارة في دار السلام، العاصمة التجارية لتنزانيا، عندما رددت الكلمات التي حددت مصيرها. قالت لي عطية إنها سافرت من قريتها في كوندوا إلى عُمان في يونيو/حزيران 2015 بحثاً عن عمل، كعاملة منازل، لتحصل على ما يكفي من نقود لتبدأ نشاطا تجاريا جديدا “لتحسين الحياة” لها ولابنتها البالغة من العمر 6 سنوات.

    لكن عندما وصلت، صادر صاحب عملها جواز سفرها وهاتفها، وأجبرها على العمل 21 ساعة يوميا دون راحة ودون عطلات، ولم يسمح لها بتناول الطعام دون إذن، وكان يضربها يوميا. بعد 3 أسابيع من هذا الكابوس حاولت الفرار لكن أمسكها صاحب عملها وأعادها، وأخبرها أنها لن تغادر إلا بعد سداد 2 مليون شلن تنزاني (880 دولارا).

    قالت عطية إن صاحب عملها لم يسمح لها بمغادرة البيت بعد هذا. في أبريل/نيسان 2016 مرضت عطية وقالت إن أصحاب عملها عروها من ثيابها وضربوها بعلاقات بلاستيكية، واغتصبها صاحب عملها الذكر شرجيا لعقابها. أخذوا كل النقود التي كسبتها ووضعوها على متن طائرة عادت بها إلى تنزانيا اليوم التالي: “كنت خائفة ومصدومة ولم أعرف مع من أتحدث”.

    لقد تحدثت إلى 50 امرأة تنزانية كن يعملن عاملات منازل في عمان والإمارات لإعداد تقرير “هيومن رايتس ووتش” الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. هاجرت أغلبهن إلى عُمان. وجدت عاملات منازل كثيرات عائلات عاملتهن جيدا وكانت تدفع لهن رواتبهن بالكامل وفي الوقت المطلوب. لكنني تحدثت إلى نساء وصفن واقعا أسوأ بكثير.

    قالت جميعهن تقريبا إن أصحاب العمل ومكاتب الاستقدام صادروا جوازات سفرهن. عملت أغلبهن من 15 إلى 21 ساعة يوميا دون راحة أو عطلة. قالت أكثر من نصفهن إنهن حصلن على أجور أقل من التي وعدن بها، أو لم يحصلن على أجور أبدا. قالت عديدات إن أصحاب العمل قدموا لهن القليل من الطعام، من بقايا وجبات العائلة، وكان يتم تجويعهن على سبيل العقاب. وصفت الأغلبية إهانة أصحاب العمل لهن، والصياح بهن يوميا والإدلاء بتعليقات عنصرية. قالت نصف العاملات تقريبا إن أصحاب العمل تعدين عليهن بدنيا: شد الأذن، الضرب بالعصي والمكانس.

    كما وصفت 19 امرأة التعرض للإساءة الجنسية على يد ذكور في العائلة، قمن بالإمساك بأجسادهن وكشفوا لهن أجسامهم، وطاردوهن في أنحاء المنزل. وصفت بعضهن التعرض لمحاولة الاغتصاب. بعض هذه الحالات، مثل عطية، ترقى لمستوى العمل الجبري أو الإتجار من أجل العمل الجبري، وهو أمر محظور في عُمان. لقد وثقنا انتهاكات مماثلة بحق عاملات منازل وافدات من مختلف الجنسيات في تقرير سابق عن عُمان صدر في 2016.

    هناك أكثر من 154 ألف عاملة منازل وافدة في عُمان، بحسب الإحصاءات العُمانية الرسمية التي تعود إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2017. يقمن بالطهي والتنظيف ورعاية العائلات، وفي المقابل فهن يأملن بإرسال أطفالهن للمدارس وبناء بيوت وبدء أنشطة تجارية.

    في حين أن أغلب عاملات المنازل في عُمان ينحدرن من بلاد مثل الفلبين وإندونيسيا والهند، فهناك الآلاف من عاملات المنازل التنزانيات أيضا. لعُمان علاقة خاصة بتنزانيا، لا سيما زنجبار، التي كانت تحكمها قديما، وتربط البلدان صلات تتمثل في قرون من علاقات الزواج والعلاقات الأسرية والاجتماعية. لكن العلاقة الخاصة المذكورة لم تضمن المعاملة الأفضل لعاملات المنازل التنزانيات، ومصابهن يمر في الأغلب الأعم دون محاسبة.

    وجدنا أن التنزانيات مستضعفات منذ البداية لأن الحكومة التنزانية لم تقم بتوفير الإشراف والرقابة الفعالة على مكاتب الاستقدام التي تفرض على عاملات المنازل رسوما أو تخدعهن فيما يخص ظروف عملهن. بعد الهجرة إلى السلطنة، فإن القوانين والنظم العُمانية هي التي تسمح لأصحاب العمل بإجبار العاملات على العمل لساعات مطولة وتقديم أجور زهيدة والإساءة للعاملات.

    يربط نظام الكفالة العماني المسيء – المطبق في دول خليجية عديدة –تأشيرات عاملات المنازل المهاجرات بأصحاب عملهن، ويحظر على العاملات تغيير الوظيفة دون موافقة صاحب العمل الحالي. تتعرض العاملات لخطر الحبس والترحيل بتهمة “الفرار” إذا غادرن ولو حتى من أجل الهروب من الانتهاكات.

    قالت بعض العاملات إن أصحاب العمل أو المكاتب أجبروهن على التنازل عن الرواتب كشرط لـ “إخلاء السبيل”، أي العمل لصالح صاحب عمل جديد يسدد رسوم الاستقدام لصاحب العمل الأول، أو يعملن لشهور دون أجر مقابل تذكرة العودة أو للتعويض عن رسوم الاستقدام. أحيانا يدعم مسؤولون بوزارة القوى العاملة وفي الشرطة جهود أصحاب العمل لاسترداد تكاليفهم من العاملات الهاربات من الإساءة.

    بدأت دول خليجية أخرى بإصلاح نظام الكفالة. فالإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال تسمح لعاملات المنازل بتغيير أصحاب العمل دون إذن بعد انتهاء مدة العقد، وتسمح السعودية للعاملات بتغيير أصحاب العمل دون إذن في بعض الحالات حين تقع انتهاكات، وتسمح قطر للعاملات بتغيير أصحاب العمل أو تركهم، إذا كانونا ممن يخالفون شروط العقد. لكن سلطنة عُمان لم تقدم بعد إصلاحات حقيقية. ردا على تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، قالت وزارة القوى العاملة العُمانية إنها تدرس بدائل هذا النظام.

    كما أن عُمان هي حاليا الدولة الخليجية الوحيدة التي لا تقدم تدابير حماية قانونية لحقوق عاملات المنازل. ضمت البحرين عاملات المنازل إلى قانون العمل الصادر في 2012، وإن كانت قد استبعدتهن من تدابير الحماية الأساسية المنصوص عليها في القانون. قامت كل من السعودية، الكويت وقطر – مؤخرا في 2017 – والإمارات بإصدار تشريعات خاصة بعاملات المنازل. لكن عُمان لا تكتفي باستبعاد عاملات المنازل من قانون العمل، إنما لا تنص لوائح العمل المنزلي لعام 2004 على تدابير كافية لحماية الحقوق بفعالية، على عقوبات لمخالفة اللوائح، أو على آليات مناسبة للشكاوى.

    كما أن بعض عاملات المنازل التنزانيات – كما عاملات المنازل من جنسيات أخرى – ذكرن أنه حين فررن من الإساءات، لم تكتف الشرطة العُمانية بخذلانهن فحسب، إنما اتهمتهن أيضا بالفرار من العمل، وهي مخالفة لنظام الكفالة، وأعادتهن إلى أصحاب العمل. في أفضل الحالات، سمحت لهن الشرطة بمغادرة البلاد، لكن لم تعرض عليهن فرصة رفع شكوى جنائية. هداية ز. على سبيل المثال، قالت إنها ذهبت للشرطة لطلب المساعدة في 2016 بعد أن اعتدى عليها جنسيا ذكر من الأسرة التي تعمل فيها، لكن – على حد قولها – أخبرتها الشرطة أن تدفع 200 ريال عُماني (520 دولارا)، وإلا تقضي 3 أشهر في السجن لأن صاحب عملها أبلغ الشرطة بأنها تركت العمل.

    من بين عاملات المنازل التنزانيات الثلاثة اللواتي قابلتهن هيومن رايتس ووتش وذهبن إلى وزارة القوى العاملة العُمانية، قالت واحدة إن ممثل مكتب الاستقدام لم يحضر جلسات تسوية المنازعات، وقالت الأخريات إن المسؤولين لم يصدقوا قصتهما عن الإساءات وانحازوا لأصحاب العمل. “بسمة” على سبيل المثال قالت إن رغم وصفها لظروف عمل مسيئة، ترقى للعمل الجبري، فإن مسؤول وزارة القوى العاملة الذي توسط في حالتها قال لها إنهم لا يمكنهم تصديق قصتها لأنهم لم يكونوا حاضرين وقت حدوثها، وأوصى صاحب عمل بسمة بأن يبلغ عنها الشرطة إذا رفضت تسديد تكاليف الاستقدام أو أن تعمل لدى صاحب عمل جديد حتى تتمكن من سداد المبلغ.

    هذه الروايات تتسق أيضا مع تقارير من مسؤولين بالسفارة في عُمان قالوا لـ هيومن رايتس ووتش في 2015 إنهم لم ينصحوا عاملات المنازل بالتقدم بالشكوى لوزارة القوى العاملة لأن مسؤولي الوزارة لا يصدقوا العاملات، ولأن إدارة تسوية المنازعات لا سلطة لها لإجبار أصحاب العمل أو المكاتب على حضور الجلسات أو الالتزام بقراراتها.

    وجود نظم وقوانين مسيئة سيئ لأصحاب العمل أيضا، وليس لعاملات المنازل فحسب. بما أن عاملات المنازل صاحبات الخبرة والماهرة يجدن أنفسهن محاصرات مع أصحاب عمل مسيئين، فلا يمكنهن الانتقال إلى أصحاب عمل أفضل في عُمان. إنما يضطر بعض أصحاب العمل إلى المقايضة مع أصحاب العمل الأصليين والاتفاق على سعر “لإخلاء سبيلهن”.

    كما يمكّن النظام بعض أصحاب العمل الجيدين من البدء في اعتماد إجراءات مسيئة. قد يعتقدوا أن عليهم منع العاملات من الفرار عن طريق اعتماد تدابير مثل مصادرة جوازات السفر – وهي ممارسة شائعة – تقييد قدرتهن على التحدث على الهاتف، منعهم من مغادرة المنزل، حرمانهن من يوم الراحة، أو حتى منع أجورهن عنهن. التوقعات غير الواقعية بأن عاملات المنازل يمكنهن خدمة عائلات ممتدة وكبيرة وتنظيف عدة بيوت أو البقاء على أهبة الاستعداد طوال الوقت لأداء كل الأعمال وأدقها وأبسطها – “يسقطون ملعقة على الأرض وينادون عليك لالتقاطها بغض النظر عن مكانك في البيت” – يصيب عاملات المنازل بالإرهاق البالغ من العمل المفرط ويؤدي لاستياء أصحاب العمل. قد يعتقد أصحاب العمل حتى أن عاملات المنازل يجب أن يُعنفن حتى يعملن أكثر أو أسرع، مع الصياح فيهن والسباب وحتى الضرب.

    هذا ليس مسيئا فحسب، إنما قد تؤدي هذه الظروف إلى فرار العاملات. عاملات المنازل اللواتي تحدثت إليهن وصفن رغبتهن في العمل وكسب العيش في ظل ظروف لائقة، ثم وجدن الظروف القائمة أقل مما وُعدن به، مع التعرض للإجهاد من العمل المفرط والإساءات، فخاطرن بالهرب. كما يجب ألا يسعى أحد لتهيئة مناخ من الخوف والترهيب والعنف في بيته.

    على عُمان إصلاح نظام الكفالة بما يسمح لعاملات المنازل الوافدات بالمغادرة وتغيير أصحاب العمل دون تصريح، وتقديم تدابير حماية قانونية تضمن حقوق عاملات المنازل. يجب أن يتم تدريب أصحاب العمل أيضا على إتاحة ظروف عمل لائقة لا تقتصر على حماية العاملات، إنما تحسن أيضا من علاقات العمل الصحية طويلة الأجل. تستحق عاملات المنازل مثل “عطية” و”هداية” و”بسمة” أن يكسبن أجورهن الموعودة في ظل ظروف عمل لائقة.

    مع زيادة اعتماد العائلات في عُمان على عاملات المنازل بشكل متزايد، فعلى السلطنة أن تضمن تحول حقوق هؤلاء العاملات إلى واقع.

     

     

    لمتابعة الباحثة على تويتر: @Rothna_Begum

     

    شارك: