التنشئة الاجتماعية على حسب الجندر – عُمان

0

على الرغم من أن مصطلح “التنشئة الاجتماعية على حسب الجندر” قد لا يكون شائعًا جدّاً، يقع كثير من الأطفال ضحية هذا الأمر في تربيتهم، وعلى الأرجح يتصرف البالغون بناءً عليه ويعاملون الأطفال وفقًا للأفكار النمطية عن كل جندر[1]. تخلق التنشئة الاجتماعية على حسب الجندر قوالب يوضع فيها الإنسان منذ بداية طفولته. يدفعنا ذلك إلى افتراض توقعات عن الكيفية التي يجب من خلالها أن يتصرف الناس على حسب الجندر. عادة، إذا قرر الشخص الخروج من هذه القوالب، فسوف يجذب انتباهاً لا يرغب فيه من قبل الأقران والأسرة والمجتمع[2]. ولكن يجب قبل كل شيء التفريق بين الجنس والجندر.

وفقًا لحكومة المملكة المتحدة، يشير المصطلح إلى السمات البيولوجية التي تحدثها الكروموسومات والهرمونات في الجنس، ويعني ذلك بشكل أساسي إما ذكراً أو أنثى ويُحدَّد عند الولادة. بينما يرتبط الجندر بالسلوك الاجتماعي الذي يراه المجتمع أنثويّاً أو ذكوريّاً، لذا فالجندر، على عكس الجنس، لا يُحدَّد عند الولادة. وهذا هو السبب في أن بعض الأشخاص قد لا يُعرَّفون من خلال جنسهم[3]. تبدأ مظاهر التنشئة الاجتماعية وفقًا للجندر قبل الولادة وتزداد حدتها خلال فترة المراهقة وتتأثر بالعرق والطبقة والثقافة.[4]

إذاً كيف يُصنَّف البشر اجتماعيّاً وفقًا للجندر؟ قبل الولادة، فإن السؤال الأول الذي يطرحه الناس على الوالدين اللذين يتوقعان طفلًا هو “بنت أم ولد؟” وهنا تبدأ سلسلة التصنيف أو التمييز على أساس الجندر، وبداية تحمل الأطفال عبء التوقعات المجتمعية[5].

‎بعد ولادتهم، تُلبَس الفتيات ملابس وردية اللون في حين يُلبس الأولاد ملابس زرقاء، وينطبق الأمر نفسه على طلاء جدران غرفهم. أمّا عندما يصبحون قادرين على اللعب، فتُعطى الفتيات دمى وعرائس، وبهذا تتعلم الفتاة بشكل غير مباشر أن دورها يكمن في رعاية الأطفال. ويحدث كذلك أن تُهدى الفتيات ألعاباً على شكل مطبخ مصغر تُعلمهن منذ سن مبكرة أنهن مسؤولات عن الطبخ والأعمال المنزلية. بل والمثير للسخرية، أن معظم ألعاب أطقم المطبخ المخصصة للأطفال لونها وردي! في حين يحصل الأولاد على سيارات أو كرات أو زي شرطة، جميعها ألعاب مرتبطة بوظيفة ما، وبهذا يتعلمون أنه من المفترض أن يعملوا لإعانة الأسرة مستقبلاً[6].

علاوة على ذلك، تختلف الطريقة التي يخاطب بها الناس الأطفال. على سبيل المثال، عندما ينظر الناس إلى الفتيات الصغيرات، فمن المحتمل جداً أن يقولوا شيئًا مثل: “كم هي جميلة، لطيفة، صغيرة”، ويقولون للأولاد عبارات مثل: “كم هو قوي، بطل، ذكي”. كل هذه التعليقات ترشد الأطفال إلى الكيفية التي يجب أن يكونوا عليها حتى قبل أن تتكون شخصياتهم. أما داخل المنزل، فإن ما يلاحظه الأطفال أن مهام مثل الطبخ والتنظيف تُعتبر من أدوار الأمهات، ونادراً ما يشارك الآباء في الأعمال المنزلية. وهو ما يؤدي إلى تعميق الصورة النمطية عن الفرق بين الذكر والأنثى. ومع تقدم الأطفال في السن وبلوغهم سن المراهقة، يُلقَّن كل منهم سلوكيات وأدواراً جديدة على حسب الجندر[7].

‎في العديد من البلدان، يُطلب من الفتيات البدء في المساعدة في الأعمال المنزلية، وهكذا يُتوقع منهن أن يكن أكثر نظافة وهدوءاً من الأولاد. بطريقة مماثلة، يبدأ الأولاد بالشعور بأنهم مُلزمون بالتحدث بصوت عال أو التصرف بطريقة تُشير إلى رجولتهم[8]!

تجبر الفتيات في بعض الأوساط الأقل تقدماً على العمل بلا أجر في المنزل، أو الزواج حتى قبل سن ال18، وهو سلوك تُصاحبه تجارب مروعة من الاغتصاب الزوجي والحمل الذي قد يعرضهن للإصابة بأمراض مختلفة، بالإضافة إلى العنف المنزلي في حال حاولن مقاومة هذه القرارات التي اتخذها آخرون لهن. تلك الصعوبات تلازمها في الغالب عوائق تحول دون إكمال التعليم أو العمل، وينتج عن ذلك التقليل من احترامهن لذواتهن أو عدم تطور نموهن الثقافي[9].

تمتد هذه القوالب النمطية الجندرية حتى إلى لغة الجسد. على سبيل المثال، إذا لم تجلس الفتيات بطريقة يصفها المجتمع ب”أنثوية” فسوف يُنتقدن. وبالمثل، يجرد المجتمع الأبوي الأولاد الذين يجلسون أو يتحدثون بطريقة معينة من صفة الرجولة، كما أن إظهار الشعور بعدم الأمان، وقلة الثقة بالنفس، والمشاعر بشكل عام تُعدُّ وصمة عار لدى الرجال أكثر منها لدى النساء على الرغم من عدم وجود أساس منطقي لمثل هذه التصنيفات. يساهم هذا بشكل غير مباشر في تشكيل شخصيات مزيفة يتطلب التظاهر بها مجهوداً كبيراً.

القيم والممارسات المذكورة أعلاه منتشرة في المجتمع العماني أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، فمنذ سن مبكرة، تُقيَّد الفتيات بقواعد لباس أكثر صرامة سواء أفي المنزل أم في المدرسة. تلزم المدارس في عمان الطلاب بارتداء زي موحد، وفي حين يرتدي كل من الفتيات والفتيان لباسًا طويلًا فإن الألوان تختلف، ومن المقبول أن يرتدي الأولاد الصغار قبعة (كمة)، أما الفتيات الصغيرات فيجبرن على تغطية شعورهن بغطاء أبيض، وهو وفقًا لبعض الاتجاهات الإسلامية المحافظة، واجب ديني على الفتيات بعد سن البلوغ. يوضح هذا المثال كيف تتعرض الفتيات لضغوط أكبر للالتزام بالقواعد الدينية حتى قبل سن البلوغ، وهو ما يظهره المجتمع لاحقاً بمراقبة النساء بصرامة أشد من مراقبة الرجال، حتى إن العمانيين ورثوا من التراث العربي أقوالاً تخفف أخطاء الرجال وتضخم أخطاء النساء، مثلا: (الرجّال شايل عيبه).

في المنزل، تُعلَّم الفتيات أن عدم العمل في المنزل عقوق للوالدين، ولأن ذلك يعتبر ممارسة أنثوية، لا يُشجع الأولاد على المساعدة في الأعمال المنزلية، وبهذا تتعزز صورة الأسرة والعلاقة النمطية حيث تكون العلاقات أشبه بمجموعة وظائف صارمة ومحددة مسبقاً

 بعد التخرج في المدرسة، في عمر ال١٧-١٨ عاما، يُشجَّع بعض الفتيات أو حتى يُجبرن على الزواج، في حين لا يرحب المجتمع بزواج الأولاد قبل سن ال18 ولا يُوافَق عليه مجتمعيّاً أو قانونياً، بل يُشجَّع الأولاد على مواصلة دراستهم والعمل كضباط شرطة أو قضاة أو سياسيين بدون تقييد طموحهم في أعمال معينة، أما الفتيات اللواتي يتمكن من الالتحاق بالجامعة، فقد تلعب الأعراف الاجتماعية التقليدية في كثير من الأحوال دوراً في فرض قيود عليهن كأن يشترط على الفتاة أن تتزوج أولاً أو على الأقل أن تكون مخطوبة، أو أن تدرس في جامعة تقع في المدينة نفسها التي تسكن بها عائلتها أو كأن تجبر على اقتصار خياراتها على التخصصات التي تفتح الأبواب لوظائف محددة مثل التعليم حيث طبيعة مكان العمل أقل اختلاطاً.

‎حتى لو تمكنت الفتيات من اختيار الجامعة أو التخصص بحرية ولم يكن مثقلات بالمسؤوليات الزوجية، فإن نظام الجامعات في عمان يمارس تمييزاً شديداً على الفتيات. وحتى بعد بلوغهن سن الثامنة عشرة وانتقالهن من منزل العائلة، فإن معاملتهن كقُصَّر تستمر؛ أولاً، بسبب ما يسمى “نظام التصاريح” الذي يقيد حقوق الإنسان بالتنقل لأنه يتطلب من الفتيات الحصول على إذن “ولي الأمر” في كل مرة تريد فيها مغادرة السكن الجامعي. ثانياً، الفتيات اللواتي يعشن في سكن جامعي لا يستطعن ​​قيادة السيارة حتى خارج الجامعة. يوجد أيضًا مشرفة في كل مبنى تتمثل وظيفتها جزئيّاً في التأكد من عودة الفتيات إلى السكن قبل الساعة ال9  ليلاً ولديهن سلطة الاتصال بالأهالي أو أولياء الأمور. بعد الساعة ال9 مساءً، حتى الطلب من المطعم غير مسموح به. وفقًا لعمادة شؤون الطلاب في جامعة السلطان قابوس، تتضمن القواعد الأخرى؛ عدم السماح لأي زائر بالمبيت، وتحظر الكتب “غير الأخلاقية” حسب مفهوم إدارة الجامعة، ولا يُسمح بمشاهدة التلفزيون وقواعد اللباس كذلك صارمة جدّاً[10].


[1]  https://blogs.unicef.org/evidence-for-action/what-is-gender-socialization-and-why-does-it-matter/

[2] https://courses.lumenlearning.com/cochise-sociology-os/chapter/gender-socialization/.

[3]https://www.ons.gov.uk/economy/environmentalaccounts/articles/whatisthedifferencebetweensexandgender/2019-02-21.

[4] https://www.unicef-irc.org/publications/pdf/IRB_20-17_19_GENDER%20SOCIALIZATION.pdf.

[5] https://courses.lumenlearning.com/cochise-sociology-os/chapter/gender-socialization/

[6] https://blogs.unicef.org/evidence-for-action/what-is-gender-socialization-and-why-does-it-matter/

[7] https://blogs.unicef.org/evidence-for-action/what-is-gender-socialization-and-why-does-it-matter/

[8] https://courses.lumenlearning.com/cochise-sociology-os/chapter/gender-socialization/.

[9] https://blogs.unicef.org/evidence-for-action/what-is-gender-socialization-and-why-does-it-matter/.

[10]  عمادة شؤون الطلبة > دوائر العمادة > مكتب مساعدة العميد للخدمات الاجتماعية > دائرة خدمات الاسكان والرعاية الاجتماعية > قسم خدمات الاسكان طالبات (squ.edu.om)

شارك: